Nouri Jaffar

فِكرٌ يُربي

فِكرٌ يُربي

بقلم: نجود نوري جعفر

أبدأُ كلامي عن والدي نوري جعفر أنَّهُ كانَ – بحقٍ – أباً حنوناً في تعاملهِ معنا، منفتحاً جداً تِجاهنا بفكرهِ التربويِّ، فالحوارُ كان نهجهُ المُفضَلُ على الدوامِ، والإحترامُ كانَ أسلوبَهُ.

بعدَ رحيلِ والدتي المبكرِ عامَ 1975، أشعَرَنا والدي – رحمةُ اللهِ عليهِ – بحنانٍ ورعايةٍ لا مثيلَ لهُما ليملأَ فراغَ رحيلِ والدتِنَا بطريقةٍ لا يُمكنُ وصفَها. إحتضَننا بحُبهِ الوارفِ، وكرَّسَ جُلَّ حياتِهِ لنا ولرعايتِنا، وضحّى بما تبقى مِنْ عُمرهِ لعلمهِ ولنا. كما كانَ يُكررُ على مسامِعِنا قولَهُ الدائمِ: أُمُكُم تركتكُم أمانةً في عُنُقِي، ويجبُ الحِفاظُ عليكُم.”

أصبحَ لنا أباً وأُمَّاً، كما وصفَ نفسَهُ بالقولِ:

أنَا ربُّ عائلةٍ ،أبٌ ،وأُمٌّ ،وصديقٌ وحارسٌ أمينٌ .. وأتمَثلُ بقولِ الشاعر:ِ

قَدْ يجزعُ المرءُ الجَليدُ وتَبتلي عزيمةُ رأيِّ المرءِ نائبةُ الدهرِ

تعاوِدُهُ الأيامُ فيما يَنوبُهُ فيَقوَى على أمرٍ ويضعُفُ عن أمرِ

أُمِّي، دعيني أوجِّهُ خِطابي إليكِ هذهِ المرةِ، فبعدَ رحيلِكِ، أذكرُ حُزنَ والدي الشديدِ على فراقِكِ بحُبهِ ووفاءِهِ لكِ لآخِرِ يومٍ من حياتهِ.

إعذُريني أُمِّي، لما سأقُولُ … سألتُ أبي يَوماً لِمَ لَمْ ترتبط أو تتزوج بأمراةٍ غربيةٍ؟ فأجابني بإبتسامتهِ الدافئةِ: “لا شئَ يُضاهي أُمُّكِ، فإظفَرُها بمليونِ غربيةٍ وبنساءِ العالمِ كُلِّهِم”

ولَقَد رثاكِ بأبياتِ شعرٍ في كتابهِ ( طبيعةُ الإنسانِ في ضوءِ فسلجةِ بافلوف – الجزء الثاني) قائِلاً:

إلى شريكةِ حياتي – التي فُجِعتُ بفَقدِها – أُمَّ علياءٍ:

أُهدِي هذا الجُهدِ الفكريِّ المتواضِعِ: “جُهدُ المُقَلِ” ولسانُ حالي يُنشِدُ

كأنْ لَمْ يمُتْ حَيٌّ سِوَاهَا ولَمْ تَقُمْ على أحدٍ إلا عَلَيها المنائِحُ

ولَوْ أنَّ حَيَّاً صارَ قبراً لمَيِّتٍ لصَيَّرتُ أحشائي لأعظُمِها قبرا ​

ولَوْ شئتُ أنْ أبكِي دَماً لبَكيتُهُ عليها ولكنَّ ساحةَ الصبرِ أوسعُ ​

وما إنسدتِ الدُّنيا علَيَّ لضيقِها ولكنَّ طَرْفَاً لا أراكِ بهِ أعمى ​

وقَدْ فارَقَ الناسَ الأحبةُ قبلَنا وأعيا دواءُ الموتِ كُلَّ طبيبِ

إنِّي لأعجبُ أنْ تكونَ شخصيتي إجتماعيةً ومرحةً كأمِّي ومنفتحةً بإنعزالٍ وبتفكُّرٍ دائمٍ كأبي.

لا أذكرُ يوماً لم يكُن أبي معيَ بحِوارٍ فكريٍّ وخاصةً في عملي، وفي تعامُلاتي، وأخلاقي، وأُسلوبَ تفكيري.

فمَنْ هوَ نوري جعفر (الأب) بالنسبةِ لي ولإخوتي؟

كانَ أبي دَمِثَ الخُلقِ، حنوناً معنا ومُنفَتِحاً جداً لمُتَطلبَاتِنا. كانَ يُكنُّ لنا الإحترامَ وكانَ يحتَرِمُ آراءَنا ويُراعي مشاعِرَنا . هذا ما نشأتُ عليهِ في تربيتهِ لنا ومن خِلالِ تعامُلهِ معنا في مراحلِ أعمارِنا المُختلفةِ، فهُوَ مُتفهِمٌ لعقليةِ كُلِّ فردٍ منَّا أنَا وإخوتي.

رِحلتي معَهُ بدأَتْ من نعومةِ أظفاري وأثَرَهُ باقٍ حتى يومِنا هذا. تعلَّمتُ منهُ التفكيرَ الدائمَ، بل وتتلمذتُ على يديهِ في كيفيةِ مواجهةِ تحدياتِ الحياةِ، فتعَمَّقَتْ لدَيَّ فِكرةُ فهمِ ظروفِ مراحلِ حياتهِ وأسبابِها، وإذا بي أسيرُ على خُطاهُ بتلقائيةٍ من دونِ أَنْ أدرِي! سبحانَ اللهِ،

فَخَزينُ القُوّةِ إستمدَيتُها منهُ بعدَ اللهِ، بيقينِ الثباتِ على المبدأِ بصدقِ التعامُلِ والإجتهادِ في البحثِ المستمرِ لبيانِ حقائقِ الأمور.

سأذكرُ جُزءاً يسيراً من أُسلوبِهِ وأثَرِ تربيتهِ وأنَا أُقلِبُ مراحِلَ حياتي معهُ وبرفقتهِ.

1

طالبُ عِلمٍ وقِصَصُ الخالدين

أذكرُ أنني كُنتُ أقرأُ عليهِ من “قصصِ الخالدين” وهيَ سلسلةٌ معروفةٌ آنَذاكَ للأطفالِ عن قصصِ المشاهيرِ كشكسبير وهيلين كيلر ومدام كوري..كنتُ أقرأُهَا لهُ ساعةَ القيلولةِ وهيَ طريقةٌ غيرُ مباشرةٍ كي يتسنى ليَ معرفةُ ونطقُ اللغةِ العربيةِ الذي كان هو مُلِّمٌ ومولَعٌ بها لأقصى حدٍّ وبالتالي معرفةُ حياةِ المشاهيرِ الذينَ وصلوا بطُموحِهم إلى العالميةِ بِعلمِهم أو إكتشافاتِهم.

اليومَ أقرأُ عنهُ و وعن صداقتهِ وعلاقَتهِ بالفيلسوفِ الأمريكي جون ديوي لأعجبَ من وصفهِ لهُ وكأنَّهُ يَصفُ نفسهُ من خِلالِه. عجبتُ من تطابُقِ الأفكارِ والشخصيةِ على حدٍّ سواء، برُغمِ أنَّ فارقَ السنِّ بينَهُما خمسينَ عاماً، وهوَ ذاتُ الفرقِ بيني وبينَ أبي! وتأثيرَهُ عليَّ كالذي بينهُ وبينَ ديوي!.

أعجبُ من صبرهِ وقوةَ تحمُلهِ برُغمِ التحدياتِ التي واجهها لوحده. شَغَفَهُ بِعلمهِ يشهدُ على ذلك, ولم يخلدْ ببالي أنْ يكونَ بهذا النوعِ من التفاني كالذي قرأتُهُ عن العالمِ الروسيّ أيفان بافلوف في كتابهِ ( طبيعةُ الإنسانِ في ضوءِ فسلجةِ بافلوف) . لأجدَ أبي كباقي العُلماءِ معطاءً متفانياً لعِلمِه.

أذكرُ أنني سألتُهُ مَرَةً عن سببِ قرائَتِهِ الدائمةِ برُغمِ أنَّهُ حصلَ على لقبِ العالِم، فأجابني بأبتسامتهِ العذبةِ: “أنَا لستُ بعالِمٍ، بل أنَا طالبُ عِلْمٍ، إذا تركتُ القراءةَ يوماً فهيَ لا تترُكُني”. وكلُّ من عرفَهُ يشهدُ بعلمهِ وبتواضُعِهِ الشديدِ وإنسانيتِهِ وبدماثَةِ خُلُقِهِ المُتحضِّرِ.

2

ثقةٌ وإحترامُ خُصوصيةٍ

كانَت غالِباً ما تأتيني رسائلٌ من صديقاتٍ وأصدقاءَ خارجَ العراق.. وعندَ وُصولِ ساعي البريدِ يستلمُها والدي دونَ حتى أن يفتحَها ويسلمُها كما هيَ بيدي ومرةً سألتُهُ لمَ لا تفتحُ رسائلي، وكنتُ آنذاك في الرابعةَ عشرَ من عُمُري، فأجابني “هذهِ لكِ ولخُصُوصيَتكِ فَكيفَ أفتَحُها”. عزَّزَ ثقتي بهِ وبِنَفسي بإحترامهِ لخصوصيتي منذُ تلكَ المرحلةِ المُبَكرةِ.

لا أذكُرُ يوماً ما كانَ لهُ أدْنى إعتراضٍ صارمٍ أو كانَ أُحاديِّ القرارِ في أيِّ موقفٍ، بل على العكسِ من ذلكَ، كانَ يُناقِشُنا بأنفتاحٍ تامٍ دونَ أن يُشعرَنا بأيِّ حرجٍ.

كانَ شديدَ الحرصِ على تفهُمِ نفسياتِنا ودائمَ الحوارِ المفتوحِ بيننا كلٌّ بحسبِ شخصيتهِ وأحتياجهِ وعندَ إتخاذِ قرارٍ مُعَّينٍ، يخُصُنا برعايةٍ وٱهتمامٍ بالغَينِ، حيثُ يُحَددُ وقتاً للإجتماعِ بنا وأخي الصغيرِ عليّ، يطرحُ الموضوعَ على مَسامِعِنا ويُعطي لنا الوقتَ للتعبيرِ عن وُجُهاتِ النظرِ المتواجدةِ لكلٍّ منا، ومن ثَمَّ يطرحُ أسئِلتَهُ وبتفهُمهِ وعقلانيَتِهِ ليكونَ القرارُ النهائيِّ أمامَهُ برضى وموافقةِ الجميعِ دونَ أيِّ تردُدٍ.

فمن خلالِ تعامُلِ أبي المتحضرِ معنا، طبقتُ نهجَهُ في عملي الإداريِّ وكُنتُ مسؤولةً عن فريقِ عملٍ، وبدأتُ الخُطواتِ بالضبط مثلما كانَ لِيَفعَل، أُحددُ موعداً وبحسبِ العددِ ومتطلباتِ الموضوعِ، ثُمَّ يبدأُ النقاشُ المفتوحُ الواضحُ، وبعدها أأخُذُ بالإقتراحِ الأرجحِ، رُغمَ صُعوبَتهِ في بعضِ الأحيانِ، لكن نصلُ للحلولِ بالنقاشِ المنفَتحِ بما يُرضي الجميع. وكَم تَكُونُ فرحتي كبيرةً عندَ ثناءِ المُدراءِ على طريقتي المتميزةِ في التعامُلِ معَ فريقِ العَمَلِ فيسألوني مِنْ أينَ تعلمتِ هذه الطريقةِ المُثلى في التعاملِ؟ فأجيبُهم وبتلقائيةٍ: هذا نهجُ أبي معنا منذُ صِغَري, وها أنَا أُطبِقُهُ اليومَ في عملي ولهُ ذاتَ النتائجِ الايجابيةِ في التوافقِ والإتفاقِ بسلامةِ المبدأِ كأساسٍ راسخٍ.

كانَ أبي مُنفتحاً معنا في النقاشِ وإبداءِ الرأيِّ بصدقٍ وصراحةٍ، بل وَيحترِمُ خصوصيتَنا. حتى أنَّهُ لم يتسنَّ لنا، بِرُغمِ بساطةِ عقليتنا آنَذاك، كسرَ ثقتهِ بنا، بل ونحرصُ كلَّ الحرصِ على توثيقِها من خلالِ معاملتهِ الواضحةِ والجليةِ لحُدودِ العلاقاتِ مع الآخرينَ بإنفتاحٍ وتحفظٍ معاً يستدعيانِ معرفةُ حدودِ التعامُلِ، وبأحترامِ الخصوصيةِ فهيَ مفتاحُ تعزيزِ الثقةِ مع الآخرين.

3

ولادةُ الكتابِ

أذكرُ إهتمامَهُ بعلمِهِ ومؤلفاتهِ وحينَ طباعةِ أيِّ كتابٍ لهُ، يَذهَبُ بنفسِهِ للإشرافِ على الطباعةِ وتنقيحِ الكِتَابِ كلمةً كلمةً. وسألتُهُ ذاتَ مَرةٍ لِمَ تُرهِقُ نفسَكَ بهذا الشكلِ؟ فكانَ تعليقُهُ: ” أنَّ طِباعةَ الكتابِ لها مَراحِلُ كالجَنينِ في بطنِ أُمِّهِ، يحتاجُ للرعايةِ التامةِ قبلَ أنْ يولدَ ويصلَ ليدِ القارئ!.”

كانَ مُجتهداً في البحثِ العلميِّ، ويحرِصُ على مُتابَعةِ كلِّ معلومةٍ وكُلِّ جديدٍ في مؤلفاتِهِ وبحرصٍ شديدٍ.

أذكرُ عندما كنتُ في الجامعةِ، كانَ لدينا بحثٌ في درسِ التأمينِ وذهبتُ أنا مع مجموعةٍ من زميلاتي إلى أستاذِ المادةِ الطيبِ الذكرِ (الأُستاذ كاظم الشربتي) للإستفهامِ منهُ عن كيفيةِ عملِ البحثِ، فقُمتُ بتعريفِ نفسي لهُ وزميلاتي . فسألني أ.الشربتي: هل د. نوري جعفر والدُكِ؟ فأجبتُهُ: نعم. فأجابني: والدُكِ نوري جعفر أبو البحوث وتسأليني هذا السؤال؟ أذهبي لأبيكِ وتعلمي منهُ.

وبالفعلِ نقلتُ لأبي ما دارَ بيني وبينَ أستاذي الشربتي. فتبسَّمَ أبي وقالَ لي: “أكرمي بما عندكِ من قَدّرَ شأنَكِ وأشادَ بهِ، وأحرصي على الحفاظِ عليهِ” . وبعدَ دقائقٍ من حوارِنا فإذا بهِ يأتيني بمجموعةِ كُتُبٍ من تأليفهِ وكَتَبَ الإهداءَ لأستاذي الشربتي إكراماً لهُ ولأجابَتِهِ ورأيَهُ بهِ.

4

الوقتُ والعَمَل

منَ المواقفِ التي أستأثرتني في شخصهِ وتربيتهِ أنّهُ كانَ شديدُ الدقةِ والالتزامِ.

بالوقتِ والمواعيد. بل عَجبتُ منْ تفانيهِ في عملهِ وإلتزامهِ بالوقتِ حتى أكثرُ من الأنكليزِ بحكمِ عملي معهم, ليُعجَبُوا من دقةِ عملي بحرصٍ شديدٍ، كما هوَ إلتزامي بالمواعيد! الفضلُ يعودُ لكَ ياأبي. تثمينُ الوقتِ والتفاني بالعملِ والتزامي بِكلِمَتي ووضوحُ مبدأي هي ما أنا عليهِ وهي كالمبادئ التي زرعتها فيَّ وربيتني عليها.

5

كتاباتٌ وتوثيقٌ

حِرصَهُ بالكتابةِ وأوراقَهُ الموضوعةُ في ملفاتٍ وبترتيبٍ خاصٍ رَتَبَهُ بنفسهِ، ويُمنعُ منعٌ باتٌ أن نقومَ بتحريكِ أيٍّ من هذهِ الملفات. تُذهلُني دقةُ ملاحظتهِ الرهيبةِ، فعندما يُغيرُ أو يُعدلُ معلومةً معينةً في ملفٍ ما، يعرفُ رقمَ الصفحةِ وبأيِّ سطرٍ كانت حتى وإن كانَ ذلكَ بعدَ عامٍ من ترتيبِ ذلكَ الملف. كذلكَ الحالُ في إيجادِ كلمةٍ في كتابٍ قرأهُ منذُ زمنٍ، فهوَ يعرفُ رقمَ الصفحةِ وبأيِّ سطرٍ كانَتْ تلكَ الكلمةُ.

عندَ الكتابةِ، لديهِ طاولةٌ وكرسيٌّ مُنتقَينَ بتصميمٍ خاصٍ من حيثُ الإرتفاعِ والحجمِ والنوعيةِ. أما في القراءةِ، فنوعيةُ الكرسيِّ هنا تختلفُ من حيثُ التصميمِ.

أما الأضاءةُ فهيَ عاملٌ أساسيٌّ في ٱختيارِ الموقعِ الملائمِ لها، بحسبِ أشعةِ الشمسِ والوقتِ من اليومِ، بمعنىً آخرَ، في الصباحِ يكتُبُ أو يقرأُ في مكانٍ معينٍ، وفي العصرِ يختارُ موقعاً آخَرَ، وفي الليلِ يكونُ ذلكَ في غُرفَتهِ أو مكتبتهِ. وكذلكَ الحالُ في التهويةِ وهدوءِ المكانِ.

وأجدُني اليومَ أتَّبعُ نفسَ نظامهِ وأعملُ ذاتَ الشئِ في عملي بالمكتبِ، حيثُ أمنعُ أيَّ أحدٍ من تحريكِ أيِّ ملفٍ أو ورقةٍ من مكانِهما، أو حتى في ملفاتِ كِتاباتي أو ترتيبِ أوراقيَ الخاصةِ. عندي نظامٌ مُعينٌ وأعرفُ كُلَّ ورقةٍ أينَ أضعُهَا وبأيِّ ترتيبٍ بِحسبِ الأولويةِ في نظامِ عقليَ الذي من الصعبِ تفسيرُهُ للآخرينِ. أحرصُ أنْ أقومَ بترتيبِ الأوراقِ والملفاتِ بِنَفسي.

ويُمكِنُني أَنْ أُضيفَ إلى ذلكَ أنَّهُ عندَما بدأتُ بتجميعِ المعلوماتِ وكُلَّ ما يتعلقُ بِ ويخُصُّ نوري جعفر، لعَمَلِ الموقعِ الإلكترونيِّ، بِتُّ أتعلَّمُ بشغفٍ كُلَّ ما يتَعَلَّقُ بِكَيفيَّةِ أرشفةِ المعلوماتِ بشَكلٍ دقيقٍ، بِتدقِيقِ كُلِّ معلومةٍ وتنسيقِهَا مع غَيرِها من المعلوماتِ. فعندَ قِيامِي بإنجازِ موقعِ نوري جعفرٍ الإلكترونيِّ عجبتُ لِنَفسي أثناءَ عملي في هذا الكمِّ الهائِلِ من تفاصيلٍ لم تخطُرُ حتى بباليَ سابقاً، ولِأجدُني قَدْ تعلَّمتُ بسببِ والدي، ومن خلالِهِ، بَل وأجرؤُ أنْ أقولَ، أنني قَدْ أتقنتُ “فنَّ الأرشفةِ”.

6

السياسةُ والدينُ

عَشِقَ العراقَ بكل تقلباتهِ السياسيةِ وتسامى فوقَ الانتماءاتِ الثانويةِ إكراماً لنا وحِمايَةً لنا من تبعاتِ أيِّ رأيٍ يُخالِفُ ما كانَ عليهِ الوضعُ العام. وخوفاً علينا من أيِّ سوءٍ أو ضَرر.

كان يشددُ بالإمتناع عن كلِّ مجالسِ السياسةِ والدين. فبالنسبةِ للسياسةِ كانَ لايسمحُ لنا حتى بِمتابَعَتِها في نَشَراتِ الأخبار. وكذلك الحالُ بالنسبةِ للنقاشِ الدينيِّ السفسطائيِّ، فهوَ رجلٌ عِلمانيٌّ. لكنّهُ لم يُمانع أبداً إلتزامَنا بالصلاةِ وأركانِ الدينِ السمحةِ، سواءً بتأديتِها أو العملَ بها. فكلما ناقشتهُ لأخذِ رأيهِ بأمورِ الدينِ والأسلامِ، يرددُ على مسامعي نفسَ القول: ( قُلْ آمنتُ باللهِ ثُمَّ أستَقِم.)

وإني لأراني استفيضُ مَعَ خالقي بتجلياتِ الفطرةِ الأيمانيةِ، بعيداً عن متاهاتِ السياسةِ والدين.

7

الثورةُ بِالعلم

شهدتُ موقفاً بعينيَّ وتعلمتُ منهُ الكثيرَ عندما كنتُ برفقةِ أبي في جامعةِ الفاتحِ في ليبيا عام 1990. الموقفُ هو كالآتي:

في الأعوامِ 1965-1969 كانَ أبي أُستاذاً في جامعةِ بَنغازي في ليبيا. كانَ قُدوةً لطلبتهِ، بل كانَ الأبُ الرُوحيِّ وليسَ أُستاذاً لهم, فسيرتَهُ الطيبةُ وثقةُ طلابهِ بهِ كانت كبيرةً وثمارُ نجاحِها واضحةً. ذَكِرَ أنَّ مجموعةً من طلبتهِ كانُوا يريدونَ عَمَلَ ثورةِ إنقلابٍ على نظامِ الحكمِ الملكيِّ الليبيِّ آنذاك. فكانَ جوابُ أبي لهم : (إنَّ الثورةَ الحقيقيةَ هيَ في إكتسابِ العِلمِ ,لِتَكُن ثورتُكم في الصفِ وبعلمكَ تصنعُ الثوراتَ! )

تفكرتُ في هذا الموقفِ وتعلمتُ منهُ الكثيرَ, الثورةُ بالعِلمِ، فما أحوجُنا للثورةِ على الجهلِ وإيجادِ وسيلةٍ لترميمِ المفاهيمِ الإنسانيةِ بزرعِ بذورِ الثقةِ في التعاملِ الإنسانيِّ والإخلاصِ بالعَملِ.

8

دعوةٌ من الرئيسِ البَكْر

نظريةُ كتابِهِ (الأبداعُ وآلياتُ الدِماغِ) في جامعةِ شَفيلد البريطانيةِ عامَ 1974، كانَ لَهُ صدىً كبيراً في الأوساطِ السايكولجيةِ وخاصةً في المؤتمراتِ الدوليةِ للموهوبينَ والتي ألقى فيها بحوثَهُ من عامِ 1975 وحتى عامِ 1991. ومن ضمنِها المؤتمرُ الذي أقيمَ في لوس أنجلوس في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ عامَ 1977 . نالَ لقبَ أولِ عالمٍ عراقيٍّ ( أو بالأحرى عربيٍّ) بتخصُصِهِ في النيروسايكولوجي (علم النفس المسند بالدماغ). فوُجِّهَت لَهُ بعدها دعوةٌ مِنَ الرئيسِ أحمد حسن البكر للقاءِهِ في القصرِ الجُمهوريِّ. وأشَادَ البكر بعلمِهِ كأولِ عالمٍ عراقيٍّ في حقلِ إختصاصهِ، وقَدْ عَرَضَ البكرُ عليهِ العملَ كمُستشارٍ لَهُ في القصرِ الجمهوريِّ لكنَّ أبي إعتذرَ عن المنصبِ قائِلاً: “أنَّهُ أُستاذٌ أكاديميٌّ ومكانَهُ هوَ الجامعةُ.”

أعجبُ لزُهدِكَ وبُعدِ نظَرِكَ، فبحقٍّ كُنتَ زاهِداً في الدُنيا، والمادةُ بمفهومِكَ ماهيَ إلا وسيلةٌ وليست غايةً. وهذا ما حصلَ لي في موقفٍ من مواقفِ الحياةِ العمليةِ في بريطانيا، ليُعرَضَ علَيَّ منصبٌ حساسٌ وبراتبٍ مُغرٍ جداً إنْ قَبِلتُهُ، لأجدَني أعتَذِرُ عن المنصبِ وكأنِّي أعيدُ موقِفَ أبي مع البكر, لأفهمَ سببَ إعتذارِهِ الذي تعذرَ عَلَيَّ فَهمُهُ آنَذاكَ في عامِ 1977.

9

رياضةٌ وأناقةٌ وقَوَامٌ سليم

لقد إعتادَ أن يصحوَ باكراً وأن يبدأَ يومَهُ بالرياضةِ وقهوةِ الصباحِ. كانَ يَعمَلُ قهوةَ النسكافةِ بطريقَتهِ الخاصةِ، لم أذُقْ أزكى مِنها في حياتي. ويتَّبِعُ نظاماً غِذائياً مُحدداً جداً، مابينَ مسلوقٍ ومَشويٍّ فقط.

يُتابعُ قوامَ جِسمِهِ بشكلٍ دقيقٍ، ويحْرِصُ بملاحظَتهِ لنا لمُراقبةِ الوزنِ على الدوام. وكذلك الحالُ لملابِسِنا، كنتُ أطلبُ رأيهُ فيها، وتعلمتُ منهُ أُسُسَ الذوقِ حتى في ٱختيارِ ملابسي، كنوعيَّتُها وألونُها. أتَذَكرُ عندما كُنَا نُسافرُ إلى لندنَ عندَ التبضُعِ في الأسواقِ، كانَ يُعطينيا فكرةً عن تأريخِ المتجرِ ومستواه. كانَ يُحِبُ الأناقةَ والقوامَ الجميلِ، ومازلتُ ليومي هذا أنتبهُ إلى ما رَبيتُ عليهِ من حُسنِ مُراعاةِ القدِّ ومراقبةِ الوزنِ والمظهرِ كما زرعها فيَّ منذُ صِغَري.

10

المصافحةُ ونبرةُ الصوتِ

عِندَ زيارةِ أيِّ ضيفٍ للبيتِ كانَ يحرِصُ ويطلبُ منا، وبأمرٍ رقيقٍ، السلامَ بالمصافحةِ اليدويةِ مصحوبةً بإبتسامةٍ عندَ التعرفِ علينا. فمنذ صِغَري باتتِ المُصافحةُ باليدِ مَعَ ٱبتسامةٍ ودودةٍ هيَ لي بمثابةِ الإلتزامِ الأدبيِّ عندَ التعرُفِ على أُناسٍ جُدُدٍ، حيثُ أمدُ يدي للمصافحةِ تبعاً لما علمني إيَّاهُ أبي آنذاك.

تعلمتُ منهُ الإنتباهَ إلى نبرةِ الصوتِ عندَ الحديثِ، ويطلبُ منا خفضَ الصوتِ عندَ الكلامِ لوقعِ أثرِ الصوتِ على المُستمعِ. عجبتُ من هذهِ الملاحظةِ ووجدتُ مفعولَها بالكبرِ وخاصةً للمرأةِ، ومُلاحَظَتي أنَّ مُعظَمَنا لا ينتبهُ إلى طريقةِ الكلامِ ونبرةِ الصوتِ. تعلمتُ منهُ فنَّ التحدثِ ونوعيةَ الكلامِ ورُقيَّ المُخاطبةِ بتنويعِ الثقافةِ والإطلاعِ. تعلمتُ منهُ أنَّ الصوتَ يُعَبِرُ عن نوعيةِ الإنسانِ، والمستوى التربويِّ والإحترامِ.

11

المشيُ والتمشي

يُحِبُ أبي التمشي، وكأنَّهُ ينعَزِلُ حينَها عن الكتابةِ والقراءةِ ليُجَدِّدَ طاقتَهُ، فهوَ “يتفكرُ وهوَ يمشي.”

فكنا نتمشى معاً، ونتحدثُ ونتناقشُ بأنواعِ المواضيعِ. فأصبحَ التمشي لي وسيلةً للتفَكُّرِ إلى يومي هذا، أتفكَّرُ وأنا أمشي، فأُحلِلُ وأتَعمَقُ في إيجادِ الحُلولِ لما في حياتي من أمورٍ. خُطايَ تمشي وكأني بصحبةِ فكرهِ الوهاجِ، فهي تسيرُ على نهجِ أبي، كما كانَ هوَ يقودُ خُطايَ وتفكيري بِصورةٍ غَيرَ مُباشِرَةٍ أيامَ زمان.

12

بساطةُ التعامُلِ

كانَ إنسانيٌ بتواضعٍ، وهيَ صفةٌ تلمَّستُها في تعامُلاتهِ. أذكرُ منهم تعامُلَهُ معَ فلّاحِ حديقتِنا عمو أبو عبد الله. كانَ أبي يقدمُ لهُ بنفسهِ الشايَ والحلوياتِ، ويتحاورُ معهُ كصديقٍ، وهوَ مما كَشَفَ لي بساطةَ تعامُلهِ وتواضُعهِ الجمُّ مع مُختلفِ الطبقاتِ الإجتماعيةِ وبدونِ تمييز.

وإنِّي لأجدُ أثَرَ أبي الإنسانيِّ وبساطةَ التعاملِ بتواضعٍ في شخصيتي، وكأنني ٱتخدتهُ نهجاً لي وبالأخصِّ في حياتي العمليةِ. وأذكرُ في هذا المجالِ عاملَ النظافةِ “سولِمان” ، الذي كانَ يعملُ في مقرِّ عملي في أحدِ المتاجرِ المشهورةِ في العاصمةِ لندن. وكنتُ أُقدِّمُ لهُ الشايَ والحلوياتِ وأتحدثُ معهُ، بل وأُعامِلُهُ كواحدٍ من فريقِ العملِ. لفتَ إنتباهي أنَّ سولِمان تأثرَ جداً وأشادَ بمدى تواضعي وبساطةِ تعامُلي (كمديرةٍ) سواءً معهُ أو معَ فريقِ العملِ. قلتُ لهُ: هذا أثَرُ أبي وسماحةُ الإسلامِ، حُسنُ الخُلُقِ في التعاملِ الإنسانيِّ القويمِ.

13

تواصُل

في طُفولتي كانَ يُدَرِّسُ خارجَ العراق (لم أكن أعلمُ السببَ آنَذاك). نلتقيهِ في العطلِ الصيفيةِ والربيعيةِ والأعيادِ وكانَ يُراسِلُنا من مُختَلفِ الأماكنِ التي كانَ يزورُها في مُختلفِ أرجاءِ العالَمِ. وكم كانَتْ سعادتي غامرةً حينَ تصلُني منهُ رسالةً أو بوستكارد سياحيّ على عُنوانِ مدرستي (الراهبات التقدُمة في البابِ الشرقيِّ) مُعرِباً فيهما عن حُبهِ وتواصُلهِ الدائمِ برُغمِ المسافات.

علَّمَني حبَّ التواصلِ مع الآخرينَ ولو بكلمةٍ تُذَكرُنا بالعلاقاتِ الإنسانيةِ وبالتواصلِ الحسيِّ البسيطِ، كلمةٌ طيبةٌ تزرعُ الأمَلَ والمحبةَ. مازلتُ على هذا الطبعِ فهوَ نهجٌ في حياتي، معَ مَن يستحقُ التواصلَ بصدقِ الكلمةِ والمشاعرِ.

14

حُلُمُ طِفلة

أجملَ مراحلُ حياتي هيَ طفولتي، حيثُ أُشاركُهُ أحلامي وأستشيرُهُ فيما أريدُ أنْ أقومَ بهِ عندَ بُلُوغي سنَّ الرُشدِ..أذكُرُ منهم أنَّني ورفيقاتٍ لي بالمدرسةِ أحببنا أنْ نقومَ بعملِ فرقةٍ فنيةٍ للغناء.وبالفعلِ أطلَعْتُهُ على الأمرِ كي أستأذِنَهُ فيه..فلم يمنعني بل قالَ لي: ( لامانعَ لديَّ شرطَ أن تُكملي شهادةَ الثانويةِ ولكِ ماتشائين). وبعفويةِ الطفولةِ طلبتُ منهُ مُلحةً إقناعَ والدِ إحدى رفيقاتي لمنعهِ لها عن هذا الأمر، فوعدَني أنَّهُ سيقومُ بإقناعهِ ويتمُ الأمرُ بمعرفتهِ. كم كانَتْ سعادتي آنذاك بتفهُمهِ اللامحدودُ لِأحلامِ طفلةٍ وٱستشعرتُ بفخرٍ أنَّهُ أبي أنَا الذي وافقني ولم يَخْذِلني في طَلَبي.

15

طبخٌ

كانَ لا يعترضُ على كثيرٍ منَ الأُمورِ، منها طبخي! فبعدَ وفاةِ والدتي رحِمَها اللهُ، بدَأَتْ مرحلةٌ جديدةٌ في حَياتِنا. مسؤوليةُ البيتِ ورِعايةُ أخي الطفلُ الصغيرُ، مسؤوليةٌ كبيرةٌ تراكَمَت على كواهِلِنَا بشكلٍ مُفاجئٍ. أذكرُ أنني الوحيدةُ التي تَطبُخُ آنَذاك، ولكنَّ طبخي كانَ إرتجالياً، أي من إختراعي الشخصيِّ ( بدونِ وصفةٍ كما هوَ المُعتادُ، ولا أولياتِ طبخٍ) ولا يمُتُّ بأيِّ صِلةٍ للمطبخِ العراقيِّ. كانَ أبي يأكُلُهُ ويتمتعُ بطعمهِ، بل ويمتَدِحُ كُلَّ طبخي، ولم يعترضْ يوماً ولم يتذمرْ، بل كانَ يُشَجعُني، وكَأنَّهُ كانَ يبني ثقةً في داخلي أعمقُ بكثيرٍ من فكرةِ طعمٍ أو مذاقٍ.

لقد زرعَ فينا ثقةً عميقةً في كل أمرٍ نقومُ بهِ، مازالت كلماتُهُ ترنُ في أُذنيَّ.

16

نلعبُ سويةً

كانَ يُشارِكُنا ويلعبُ معنا في طفولَتِنا الألعابَ المُختلفةَ، منها على سبيلِ المثالِ لُعبَةٌ تكونُ فيها أختي الكُبرى علياءُ هيَ الملكةَ، ويَقُومُ أبي بدورِ الخادمِ لها، وتأمُرُهُ أختي (الملكةُ!) بشتى الأوامِرِ، وينصاعُ لِأوامِرِها ويعملُ كلَّ شئٍ من دونِ كَلَلٍ ولا مللٍ. أما أنا, فيلعبُ معي لُعبةَ التوكي (المُربعاتُ والحَجَرُ) ويحاولُ أن أكونَ أنا الفائزةُ بِاللُعبةِ. أذكرُ أنَّهُ في عطلةِ نهايةِ العامِ الدراسيِّ، كانَ يأخذُنا للمكتبةِ لشِراءِ الكُتُبِ، وكذلكَ إلى محلاتِ الألعابِ كي نقضيَ العُطلةَ ما بينَ القراءةِ واللعبِ. نَتَجمَّعُ معهُ، بل ننتظرُهُ وهوَ يقُصُّ علينا القَصصَ قبيلَ النومِ وخاصةً في بيروتَ عندَ لقائِنا بهِ هُناك.

أذكرُ في مرةٍ أشتركنا بمسابقةِ (مجلتي)، وهيَ مجلةٌ للأطفالِ، وكانَتِ المسابقةُ عبارةً عن أسئلةٍ عن التاريخِ، فذَهَبنا معاً إلى المُتحفِ العراقيِّ لتعلُّمِ طُرقِ البحثِ وتعلمِ كيفيةِ معرفةِ الحلولِ للإجابةِ على تِلكَ الأسئلةِ .

أثرُ تربيتِهِ من أيامِ الطفولةِ عالِقٌ في ذهني، بل محفورٌ في ذاكرتي لغايةِ الآن.

17

كِتابَاتي

إعتَدتُ في أوقاتِ الإمتحاناتِ أنْ أُوصيهِ بإيقاظي مُبَكراً وذلكَ عن طَريقِ كِتابةِ رِسالةٍ خطيةٍ أُعَبِرُ بِها عَن حُبي لَهُ وطلبي منهُ برجاءِ عدمِ نسيانِ إيقاظي، فكانَ يحتفظُ برسائلي. وفي مرةٍ إفتقدَ رسالاتي وقالَ لِمَ لا تكتبي لي؟ فإنَّ كلماتِكِ تُسعِدُني. (لم أعلم وقتَها كيفَ يُمكِنُ لإحساسهِ المُرهَف أن يتأثَرَ من خلال تعبيري الأنشائيِّ البسيطِ) فهو يستَشعِرُ الكلمةَ الصادِقةَ ويُثمِّنُها مهما كانَت بساطتَها.

كنتُ أقرأُ لهُ كِتاباتي كي يُنقحَ لغتي سواءً بالعربيةِ أو الإنكليزيةِ. وكم أتمنى أن أقرأَ لهُ ما تخُطُهُ يدي اليومَ من خواطرَ وكتاباتٍ. أشتاقُ كثيراً إلى مُناقشةِ أفكاري وما يحمِلُهُ جوفي من معاني في حياتي.

18

مواقفُ أخرى في الحياةِ

نختلفُ فيما بينِنا كأخواتٍ، برُغمِ فارقِ السنِّ البسيطِ بيننا. وفي مثلِ هذهِ المواقفِ أراهُ يأتي لنا عارِضاً مُساعَدَتَهُ لحلِّ أيِّ خلافٍ بيننا بسؤالهِ وبلُطفٍ: ( بابا ليش طالع صوتكم؟) ما الذي حدثَ وما الأسبابُ، فَيسمَعُ الردَّ عليهِ من إحدانا وبالنصِّ نقولُ لهُ: شُكراً بابا، هذا بيننا ولاداعي للتدخل. فيبتسمُ ويقولُ: ” أعجبُ لإختلافِكُم وأفرحُ لكُم بٱتحادِكُم وعدمِ السماحِ لي بالتَدَخُّلِ بينَكُم!” ثُمَّ يتركِ الأمرَ، وبالفعلِ لا يتدخلُ بيننا.

لا أذكرُ ولا يحضُرُني موقفٌ نامَ فيهِ يوماً ليلهُ وهو زعلانٌ من أيِّ واحدٍ منا، فبِسَبَبِ شدةِ إحساسهِ المُرهفِ كانَ لا يُحِبُ الخِصامَ معنا، وكَثيراً ما يغُضُ نَظَرَهُ عن الأسبابِ، بمبادرتهِ شخصياً للصُلحِ معنا وطلبهِ العفوَ منا وتقبيلِنا بقولهِ المعتاد: (بابا أُعذُرُوني إنْ أزعجتُكُم أو زعَّلتُكُم مني، ما أقدر أنام وواحدٌ منكم زعلان). يالهُ من إنسانٍ يتخطى كُلَّ عقباتِ الأُبوةِ ويبدأُنا بالإعتذارِ ويطلبُ السماحَ منا برُغمِ خطأنا نحنُ أولادهُ!

يتفقدُ كلَّ أصدقائِنا وخاصةً إن ٱنقطَعَتُ عنهُم لموقفٍ ما، ويسألُ بصورةٍ غيرِ مباشرةٍ ليَستفهِمَ عن ردودِ الأفعالِ وعن سببِ الأنقطاعِ، وكانَ يُشددُ ويطلبُ مني الإتصالَ بهم، ونُزُولاً عندَ رغبتهِ أقومُ بالتسامحِ وإستضافتِهم، فعلى حدِّ قولهِ هُم كأخواتُكِ، شلون تزعلين منهم.

وفي يومٍ تعرفتُ على بنتٍ “بالصدفةِ المحظةِ” وتبادلنا الأحاديثَ وعرَّفتُها بنفسي، وكم كانت فرحتُها كبيرةً لمعرفتِها أنَّ نوري جعفر هو أبي، ففي ذلك الوقتِ كانَ لديهِ محاضراتٍ لدوراتٍ تدريبيةٍ لتهيئةِ المُدرسين، وهيَ كانَت من طالباتِ هذهِ الدورةِ، وقد عبَّرت عن أعجابِها الشديدِ بهِ وبإنسانيتِهِ وقالت: هنيئاً لكِ بوالدكِ. تبادلتُ معها أرقامَ هواتفنا يومها وبالفعلِ أخبرتُ والدي بما حدثَ. فطلبَ مني الإتصالَ بها وٱستضافَتَها وتقديمَ أيِّ نوعٍ من المساعداتِ وبنفسِ الإهتمامِ الذي يُقدمُهُ لي حينما أحتاجُ مساعدَتهُ بالدراسةِ وخاصةً عندَ عملِ واجباتي المدرسيةِ وقواعدِ اللغتينِ العربيةِ والأنكليزيةِ فهوَ ضليعٌ بكلتَيهما.

19

فماذا تعلمتُ منكَ يا أبي؟

أثَرُكَ مطبوعٌ بشخصي، وبصمتُكَ ما زالَت محفورةً في قلبي. تعلمتُ منكَ إحترامَ الخصوصيةِ التي هي أساسُ التعامُلِ في العلاقاتِ. تعلمتُ منكَ عدمَ التَّدَخُلِ بخُصوصيةِ الآخرينَ، وخاصةً عندَ الإختلافِ كي لا تُعكَرُ العلاقاتُ ودونَ الإنحيازِ لطَرَفٍ دونَ الآخَرِ.

تعلمتُ منكَ الإصغاءَ وحكمةَ التصرفِ في المواقفِ الحرجةِ. تعلمتُ منكَ تركَ ما لا يعنيني، بل التَّغَاضِي عن كُلِّ ما يبدرُ من سوءِ تصرفٍ من الآخرينَ، وحتى مسامَحتَهُم والإنسحابَ دونَ أذىً ولا عتابٍ. تعلمتُ منكَ التحمُّلَ في مواقفِ الشدةِ، ومواجهةَ الصِّعابِ بصبرٍ وأملٍ. تعلمتُ منكَ الرِّقَةَ في التعاملِ، بل تواضُعَ العُلماءِ، الذي وجدتُهُ فيكَ بشكلٍ كبيرٍ. تعلمتُ منكَ البحثَ عنِ الحقائقِ في كُلِّ شئٍ، والتأني قبلَ إتخاذِ القرارِ وإختيارِ الأمرِ الأمثلِ.

تعلمتُ منكَ حُبَّ العلمِ ومشاركةَ الآخرينَ ومدَّ يَدِ العونِ لهُم. تعلمتُ منكَ أنَّ دوامَ الحالِ مِنَ المُحالِ. تعلمتُ منكَ الإنزواءَ بعيداً عنِ القيلِ والقالِ. تعلمتُ منكَ أنْ أَعيشَ حياتي بإحترامِ الذَّاتِ وراحةَ بالٍ بوعيٍّ وضميرٍ.

تعلمتُ منكَ البساطةَ وعُمقَ التفكيرِ والتحليلِ. تعلمتُ منكَ الثقةَ بالنَّفسِ والآخرينَ. تعلمتُ منكَ الجديةَ في القولِ والعملِ. تعلمتُ منكَ الإتزانَ ومعنى المسؤوليةِ. تعلمتُ منكَ الإعتمادَ على نفسي بصدقٍ. تعلمتُ منكَ حُبَّ التَّعلُّمِ والكتابةِ. تعلمتُ منكَ مفهومَ الإنسانيةِ بِكُلِّ ما تحمِلُهُ من مَعنى.

تأثرتُ جداً بحكمةٍ كُنتَ أنتَ تُؤمنُ بِها، بل كانَت هيَ نهجُكَ في التربيةِ وفي مواقِفِ الحياةِ: “ثُلُثَانِ منَ الفطنةِ، وثُلُثٌ منَ التغافُلِ”.

وماذا بعد؟!

كُنتُ مَعَكَ وإخوتي فَشهِدنا وفاتَكَ بسببِ مُضَاعَفاتِ الزُّكامِ الحادةِ. رحلتَ عنَّا وأمامَنا في ليبيا عامَ 1991. وفي لحظةِ رحيلِكَ قطعتُ عهداً على نَفسي أنْ أعملَ شيئاً لكَ يُخلدُ ذكراكَ. أوفَيتُ بعهدي، على قَدَرِ إستطاعتي، فقُمتُ بإنجازِ موقعِ نوري جعفرٍ الإلكترونيِّ (ويبسايت)، إكراماً لكَ لأُحيِّيَ ذِكراكَ ولِأنشُرَ عِلمَكَ الموسوعيِّ الثريِّ مِن بابِ إستحقاقِكَ العلميِّ والشَّخصيِّ، لكَ وحدَكَ يا أعزَّ ناسي.

وها أنَا اليومَ أكتبُ عنكَ كأبٍ وإنسانٍ وعالمٍ بأثَر. لَم أُكملُ رسالتَكَ العلميةِ والإنسانيةِ لكنِّي قُمتُ بجمعها كأرشيف متكامل بِنشرِها على ( موقعِ نوري جعفرٍ الإلكترونيِّ ) ، والذي يحتوي على فقراتٍ عن سيرتِكَ العلميةِ والأكاديميةِ وعن إنجازاتِكَ. فمِنْ خِلالِ تربيتِكَ وكتاباتِكَ إستَقَيتُ المعنى الحقيقيَّ “للمعرفةِ بالبحثِ العلميِّ السليمِ والتقييمِ الإنسانيِّ بضَميرٍ حَيٍّ”.

Start typing and press Enter to search