الموقف الاول
مع أول انطلاقته من (القرنة) مدينته التي ولد بها إلى العاصمة بغداد للدراسة الجامعية، ولأنه يمتلك معدلًا تخطّى التسعين وهو نادرٌ جدًا في ذاك الزمن، توجهت آماله نحو الكلية الطبية كأيّ يافعٍ تقوده أعراف الحياة السائدة.
في هذا اليوم الدراماتيكي الممتلئ بأحداثٍ صادمةٍ ابتدأ من اكتشافه لفقره المادي، وما شكّل صدمةً أساسها التمايز الطبقي المقيت، إذ يقول:
سافرتُ من القرنة فجرًا بملابس كان قميصي يمثل الجزء العلوي من (البيجامة) وهي ملابس النوم، لأني لا أمتلك قميصًا، كان ذلك في سنة 1931. وصلتُ بغداد متوجهًا إلى الكلية الطبية وكان الوقت ظهرًا، حاملًا إضبارة تخرّجي وقدمتها إلى سكرتارية العمادة التي يرأسها (سندرسن باشا) طبيب الملك فيصل الأول.
قيل لي: انتظر لحين استدعائك، جلستُ على الدكة الخارجية أنتظر استدعائي للدخول، إلا أن الكثير من أبناء الباشوات ومن هم في حالة غنى يركنون سياراتهم الفارهة ويدخلون مع أبنائهم أو أقاربهم ويخرجون فرحين ضاحكين إلى نهاية الدوام، مما اضطرني للذهاب إلى فراش السكرتارية فوجدتهم قد نسوني، إلا أن إضبارتي أسعفتني عندما وجدوا معدّلي أعلى من كل الطالبة الذين سبقوني .
دخلتُ على (سندرسن باشا) فوجدته يُمعن النظر في إضبارتي، وعندما رفع رأسه ليراني سحب نظارته لتعديل نظره وفي حالة سكون تلمست في نظراته تعجب من هيأتي، وكأنه صدم من ما فيها من علامات الفقر، قال بلكنةٍ:
سندرسن باشا : ما عمل والدك؟
نوري جعفر : فلاح، باشا.
سندرسن باشا : هل تستطيع ان تدبّر خمس دنانير شهريًا لمستلزمات الدراسة ؟
نوري جعفر : لا والدي ولا أنا شاهدنا شكل الخمس دنانير.
سندرسن باشا: أنصحك أن تذهب إلى دار المعلمين العالية، أفضل لك.
انتهى اللقاء وخاب أمل نوري جعفر في أن يُقبل في الكلية الطبية.
في هذا الموقف تشكّل في وعيه ذاك الحس الطبقي الذي تطور بسرعة نحو انتماء (سيكو–إبستمولوجي) مع الفكر الماركسي، ولا سيما عندما بدأ في القراءة المنهجية، إلا أن الرجل لم ينتمِ إلى حزبٍ سياسيٍّ أبدًا.
الموقف الثاني
بوصفه المتحول الثاني في مسيرة نوري جعفر، فكان مع (الدكتور فاضل الجمالي) أستاذه في دار المعلمين العالية، الذي قرأ مستقبلًا أكاديميًا وفكريًا في شخصية تلميذه الفذ، ما وجّه الموقفَ تركيبةً أنبتت عند نوري أثرًا في ليبرالية الجمالي الذي يُعد من أهم الليبراليين العراقيين، فضلًا عما يمتلكه من تميزٍ في الدراسات التربوية، مما منحه تميزًا في رؤاه السياسية. إذ اطّلع جعفر على هذا التوجه الليبرالي، مع المتشكل في ذاته من انتماءٍ لليسار الماركسي، إذ عاش صراعًا إيجابيًا بين ما يقدمه أستاذه من حججٍ ذات مواقف ليبرالية وبين ما يقرأه في الخفاء عن الماركسية، هذا الذي سيمتزج مع الموقفين الثالث والرابع.
الموقف الثالث
مع إيفاده إلى أمريكا للدراسة، وشاءت ظروفه الحسنة أن يتتلمذ على يد الفيلسوف البراجماتي (جون ديوي). بهذا الظرف انفتحت أمامه حوارات وجدالات فلسفية مزجت الفلسفة بعلم النفس والتربية، مما أحال القراءات النفسية والتربوية إلى نظمٍ فلسفية، وجعل خطاب (نوري جعفر) يحقق نظمًا تأويليةً بتركيبٍ منهجيٍّ يتميز بما حمل من انتماءٍ خفيٍّ نحو (الماركسية) التي كانت وراء الستار في نظم تحليلاته، لكن أثر جون ديوي جعل التوجه يأخذ أحيانًا اتجاهًا عكسيًا اتضح في قراءاته السياسية. هذه القراءة التي ركبت بين الماركسية والليبرالية والبرجماتية، قدّمت ثراءً متميزًا في التحليلات الفلسفية والسياسية والتاريخية، وكانت الإضافة الداعمة مع الموقف الرابع.
الموقف الرابع
يتمثل في الإنجاز الأول له خارج نطاق البحوث الجامعية، عن طريق ترجمة كتاب (برتراند رسل) سنة 1949، بمعنى بعد رجوعه من الدراسة، ويبدو أنه حضّر للموضوع وهو في أمريكا. وما يسترعي الانتباه أن (رسل) ينتمي إلى خطٍّ غير ما ينتمي له (ديوي)، إذ يُعدّ الأول من رواد الفلسفة الوضعية المنطقية أو فلسفة العلم. وهناك حوارٌ برسائل بينهما مشوبةٌ بجدلٍ فكريٍّ يحوي الخلاف أحيانًا، ومن المؤكد أن (نوري جعفر) كان على اطلاعٍ عليها أو دخل في حوارٍ مع ديوي في فحوى توافقاتٍ واختلافات الرأي بين القطبين الفلسفيين، مما حفزه ليقدّم كتاب رسل كأول إنجازٍ مطروحٍ خارج الوسط الجامعي. (سنقدم في هذا الموقف قراءة نوري جعفر المختلفة بين برجماتية ديوي ووضعية رسل، مما أتاح له أن يقدم رؤى فكريةً سياسية المنحى تستقرئ التاريخ بقراءة اليسار الليبرالي الذي لا يغفل الدعوات الموضوعية أو العملية ذات البعد البرجماتي.
الموقف الخامس
مع انتخابات عام 1954 إذ رشّح عن مدينته (القرنة) وحُرّفت النتائج، إذ جابه منافسيه بضراوة عن طريق الصحافة والخطابات، فأثار الحكومة، مما أدى إلى استدعائه أمام رئيس الوزراء وزجره، إلا أنه وقف موقفًا شجاعًا في الدفاع عن نفسه. في هذا الموقف تحوّل في أساليب المواجهة والدفاع من الكتم إلى المجابهة، واستمر مواجهًا مباشرًا يدافع عن الحق والحقوق دون اكتراث لما يمكن أن يصيبه، فأُضمر له، مما أدى إلى تهميشه ومحاولة إيقاف انتشار أفكاره في فتراتٍ متعددةٍ مختلفة المشارب.
الموقف السادس
(نتاجه في التربية وعلم النفس): بعد إكمال دراسته في الدكتوراه متخصصًا في العلوم الفلسفية للتربية، قاده البحث نحو مركبٍ فكريٍّ متميزٍ بين التربية والتعليم والبنى السيكولوجية للفرد لتحقيق منظومةٍ متقدمةٍ تصب في البناء التربوي العام من خلال التعليم. ولأنه درس على يد الفيلسوف البراجماتي جون ديوي كانت آثار التربية من خلال المدرسة حاضرةً في نتاجه.
الموقف السابع
(نتاجه في علوم الدماغ والإبداع)، وهنا تتجلى له أقصى درجات الإبداع في قراءة علوم الدماغ في إحالتها من الوظيفة الفسيولوجية في الفعل النتاج لأقسامه ولا سيما القشرة المخية إلى وظيفةٍ تركيبيةٍ بمعادلةٍ جدليةٍ تقدم تبادلاً بين الجانب الفسيولوجي والأداء المتراكم، مما يحيل الدماغ من بنيته المادية الثابتة إلى بنيةٍ ديناميةٍ تتقبل النمو والتطور كما هي عضلات الجسد يمكنها النمو في تراكم الأداء ويمكن أن يصيبها الضمور، وعلاقة الإبداع بفيزيولوجية الدماغ وتفاعلية الأداء في النتاج الإبداعي الذي أسس له بما يمتلك من فهمٍ سيكو–إبستمولوجي، مع ما مكنه من استدعاء ما هو فاعل في الفلسفتين البراجماتية والماركسية.
الموقف الثامن
(نتاجه في اللغة والأدب والتاريخ والسياسة والمجتمع)، في هذا النتاج مؤشّر لرؤيةٍ تمتلك التفرد في فهمٍ ذي خصوصيةٍ يمكن أن يُكنّى بها. إن تحليله ونتاجه الشعري واللغوي ينمّ عن شغفٍ دُعمَ بقراءاتٍ مكثفة، أما التاريخ ولا سيما الإسلامي فقدمه بما يمتلك من تحليلٍ مدعَّمٍ بتركيبته الفلسفية التي أشرنا إليها آنفًا، وهو بكل ما يمتلك من تقدميةٍ وليبراليةٍ مفعمةٍ بيساريةٍ مناهضةٍ لكل أشكال الاستبداد في نتاجاته الاجتماعية والسياسية.
إن الكتابة عن هذا الفذ الذي لم يُوفَّ حقَّه أمرٌ فيه من الصعوبة لأنها لا تقبل السرديات التاريخية أو العاطفية الوصفية. فالكتابة عن نوري جعفر تحتاج قراءة دقيقة لنتاجه ولمناطق بحثه، ولا سيما تحولاته عبر أزمنة بحثه من نهاية الأربعينيات إلى بدايات التسعينيات من القرن العشرين. إزاء ما ذكرنا ستكون هذه المواقف الثمان كفصولٍ لهذا الكتاب الذي قد نساهم به في الإيفاء لأستاذٍ ومعلمٍ فذٍّ، بل إنسانٍ تتجسد الإنسانية بقيمها السامية المتعالية بشخصه.